جان لوئيس بوركهارت

55

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وجوابي أن التجار لا يبلغون إلى المحس في رحلاتهم إلا إذا سافروا في قوافل الرقيق . زد على ذلك أنهم يضطرون للبقاء طويلا في الأقاليم التي يجتازونها ، وهو عكس خطتى . كنت أستطيع أن أحمل معي للمحس تجارة تكفى لشراء عبد أو عبدين ، ولكن القوم كانوا في هذه الحالة يقولون إن الصفقة لا تستحق الرحلة إلى المحس ، لأن ما تجلبه من ربح لا يعوض نفقات الرحلة من إسنا وإليها ، وكنت لا أنجو من توجس الناس وظنهم أنني قادم في مهمة سرية . ولو حملت معي بضاعة تساوى ثمن ستة من العبيد مثلا لفرض الحكام علىّ الإتاوات واحتجزونى أطول مما أبغى . ويزعم المحس أنهم من نسل قريش - قبيلة الرسول - وكان رجالها بدوا وزراعا كما هو معلوم . ويروون أن جماعة كبيرة من قريش استولت على الوادي حين غزا البدو القادمون من الشرق مصر والنوبة . وزعيمهم ملك المحس ، أو « ملك الدار » ، من عشيرة جامع ، وهو يجبى إيراد مملكته ، ويدفع كل سنة لأمراء النوبة عن كل قسم من أقسامها الستة خمسة جمال أو ستة ، ومثلها من البقر ، وعبدين ، ونحو أربعين شاة بالإضافة إلى المطالب الاستثنائية . وقد تشرفت برؤية ملك المحس ، فإذا هو أسود دميم ، تحيط به حاشية من ستة عبيد عراة يحملون الدروع والمزاريق . وفي الإقليم الممتد على النيل من هنا إلى سنار - ويستغرق قطعه نحو خمسة وثلاثين يوما - ما يزيد على عشرين ملكا ومملكة ، فكل رئيس مستقل يلقب ملكا . وسلطة هؤلاء الملوك الصغار مطلقة في فرض الضرائب على رعاياهم ، ولكن الملك لا يجرؤ على قتل أحد من رعاياه ، ولو فعل لجلب على أسرته انتقام أسرة القتيل . والتجارة مهنة كل رجل محترم في المحس . وهم يشترون الرقيق من دنقلة وبربر وإقليم الشايقية ويرسلون قافلة للقاهرة مرتين في العام . والمحس أقرب بقعة في السودان يسافر منها الجلابة إلى القاهرة ، والمسافة بينهما قرابة ألف ميل ، والعبد في المحس يساوى من خمسة وعشرين دولارا إسبانيا إلى ثلاثين ، أما الجارية فمن ثلاثين إلى أربعين . ويباع الرقيق في القاهرة بربح يبلغ مائة وخمسين في المائة ،